محمد بن ابراهيم الوزير اليماني ( ابن الوزير )

389

العواصم والقواصم في الذب عن سنة أبي القاسم

قلت : فهذا من السمع ، ومن النظر : أنَّ ( 1 ) الدليل كالطريق ، والوسيلة إلى الاعتقاد الصحيح ، فمن حصل الاعتقاد الصحيح ، لم يجب التشاغل بالطريق ، مثل سائر الوسائل ، خصوصاً إذا خيف من الاشتغال بالوسيلة فوات الأمر المتوسل إليه بالقرائن والتجارب ( 2 ) ، وربما انتهى الأمر إلى تحريم الخوض في ذلك ، حيت يغلب على الظن أن فيه مضرة مظنونة للاتفاق على أن دفع المضرة المظنونة واجبٌ عقلاً ، وسيأتي لهذا مزيد بيان وتحقيق إن شاء الله تعالى . ثم المتكلمون هنا ( 3 ) مختلفون ، فمنهم من يخلع رِبْقَةَ المراعاة لأحوال السلف ، ويصرح بتكفير العامة ، فيقعُ في الحديث المتفق على صحته : " إذا قال المُسلم لأخيه : يا كافر ، فقد باء بها أحدُهُمَا " ( 4 ) . وهؤلاء قسمان : منهم من يعتقد هذا ولا يُظهرُهُ ، ومنهم من يظهره ، والطائفة الأخرى : منهم الذين يراعون ظاهر أحوال السلف ، فيقعون في المناقضة ، لأنهم يجيبون بأن الأدلة جليَّةٌ ، تعرف بالفطرة مع أدنى تأمل ، وجوابهم هذا يستلزم إمَّا الاستغناء عن علم الكلام - وهو المقصودُ - وإما دعوى أن أدلة علم الكلام كذلك ، وهو باطل بالضرورة ، والتجربة تدل على ذلك ، فإنا نُحضر أذكى العامة ، بل أذكى علماء الفنون غير الكلام ، فلا يستطيعُ فهم أدلتهم بالفطرة في المدة اليسيرة ، وقد ذكرت فيما مضى ما ذكره الرازي في " المحصول " في دفع هذا بقوله : إنه يستحيل أن يكون العلم بالبرهان جملياً ، قال : لأن البرهان إذا تركب من عشر مقدمات ،

--> ( 1 ) في ( أ ) : إلى أن . ( 2 ) في ( ش ) : والتجارب فيها . ( 3 ) في ( أ ) : ها هنا . ( 4 ) تقدم تخريجه 2 / 439 .